About AEI My AEI Support AEI Contact AEI
Home Events Books Short Publications Research Areas Scholars & Fellows


Search


FindAdvanced Search

Browse all short publications by:
- Date
- Subject
- Author
- Type
- Title

SHORT PUBLICATIONS
AEI Newsletter
AEI.org Exclusives
The American
Press Releases
Outlook Series
On the Issues
Papers and Studies
AEI Working Paper Series
Government Testimony
Speeches
Book Reviews
AEI Policy Series
The War on Terror

E-NEWSLETTERS
Enter e-mail:
 

Home >  Short Publications >  ردة ٌ على الإصلاح: مصر و تونس
ردة ٌ على الإصلاح: مصر و تونس
Print Mail
By Jeffrey Azarva
Posted: Wednesday, May 23, 2007
MIDDLE EASTERN OUTLOOK
AEI Online  
Publication Date: May 23, 2007

Download file .PDF "إضغط هنا لقراءة هذا المقال في "ادوبي اكروبات

في اللغة الإنجليزية

في السادس من نوفمبر 2006، أدلى الرئيس جورج بوش بتصريح قال فيه أن "ستين عاما من تغاضي و تعايش الدول الغربية مع عوز الحريات في الشرق الأوسط ، لم تفعل شيئا لتجعلنا أكثر أمانا... فعلى المدى الطويل، لا يمكن أن يشترى الاستقرار على حساب الحرية."

هذا التحول الاستراتيجي - المصحوب بغزو كل من العراق و أفغانستان – جعل من الأنظمة الحاكمة في الشرق الأوسط محطا ً للأنظار. فبحلول الربيع كان الرئيسين التونسي "زين العابدين بن علي" و المصري "حسني مبارك" – و هما الحليفين المخلصين في الحرب على الإرهاب و كلاهما من أشد حكام شمال أفريقيا انحيازا للولايات المتحدة – في طليعة القادة العرب الذين زاروا واشنطن لمناقشة الإصلاح، إلا أن هذا "الربيع العربي" تزامن و صعود غير آبهٍ للحركات الإسلامية عبر المنطقة.

و اليوم فيما يبدأ صانع القرار الأمريكي في إزاحة الضغط عن مصر و تونس، يرى كلا البلدين في ذلك ضوءا أخضر للتراجع عن مسيرة الإصلاح.


بعد أكثر من نصف قرن من استقلال شمال أفريقيا، لم تزل الديمقراطية في المغرب العربي بعيدة المنال، فحركات التحرر الوطني التي سادت المنطقة في الخمسينيات و الستينيات أسست لعقود من الاستبداد المتوطن.

إن حكومات ما بعد الاستقلال في مصر و تونس في إطار سعيها لتثبيت شرعيتها و إطلاق نمو اقتصادي مبني على التخطيط المركزي و ملء الفراغ الأمني الذي خلفته السلطات الإنجليزية و الفرنسية، انحازت لنظام حكم الحزب الواحد على حساب التعددية.(1)  فحين بلغ نظامي جمال عبد الناصر و الحبيب بورقيبة سدة الحكم، بسطا نفوذهما إلى معظم أركان مجتمعيهما، من أجهزة الأمن إلى العمالة المنظمة و حتى المشروعات الخاصة. 

و خلال عقدي السبعينيات و الثمانينيات تصلب النظامين السياسيين في القاهرة و تونس العاصمة، حيث غطى صوت الحرب الباردة على الأصوات المطالبة بالديمقراطية. و بينما دفع تشجيع الولايات المتحدة و الاتحاد الأوروبي باتجاه الخصخصة الاقتصادية، لم يصحب هذا التحول الحذر نحو السوق الحرة تغير سياسي ذو قيمة، فالضغط السياسي من أجل الإصلاح كان ضعيفا. لقد اعتقد الدبلوماسيون في الولايات المتحدة أن دعم الديمقراطية سيؤدي لزعزعة استقرار الشرق الأوسط مهددا مصادر النفط الخام، و يثير التوتر في التعاون العسكري بين بلدان المنطقة و الولايات المتحدة، كما يضعف من فرص عملية السلام بين العرب و إسرائيل. و جاءت أزمة عام 1991 في الجزائر – حيث أدى الفوز المرتقب للإسلاميين في الانتخابات إلى التدخل العسكري ليشعل حربا أهلية استمرت لست سنوات – لتؤكد الشكوك حول "الديمقراطية العربية". ففي العقد التالي، لم تنفق وزارة الخارجية الأمريكية سوى 250 مليون دولار على برامج (2).دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط كله 

على أن الهجمات الإرهابية في الحادي عشر من سبتمبر غيرت هذه الرؤية الاستراتيجية. حيث ألقت إدارة الرئيس بوش بستة عقود من شعار "الاستقرار أولا" في السياسة الخارجية جانبا، و عرضت الأمن القومي الأمريكي للخطر من أجل نشر الديمقراطية. و لكن ما أن أجريت انتخابات في رام الله و بغداد حتى بدأت واشنطن في تغيير دفتها. فالبيت الأبيض – الذي روعه فوز الجماعات الإسلامية الراعية للإرهاب – بدأ يعود إلى العقلية الواقعية التي سادت قبل الحادي عشر من سبتمبر.

مصر: شيطان تعرفه خير مما تجهل؟

الحالة المصرية نموذج مثالي للاسترشاد، ففي 30 أكتوبر 2004 و بعد ثلاث سنوات من النزاعات القانونية، أجازت الحكومة المصرية "حزب الغد"، و هو واحد من أحزاب المعارضة الليبرالية القليلة التي حظيت بالاعتراف القانوني في مصر منذ عام 1952.(3)  على أن فرحة "الغد" لم تدم طويلا، فبعد شهور ثلاثة و في 29 يناير 2005، اعتقلت قوات (4)الأمن المصرية "أيمن نور" رئيس الحزب و أحد رموز المعارضة المصرية المحاصرة،  بتهمة تزوير ملفقة.

لم يكن الأمر ليمر دون أن ملاحظة في واشنطن، ففي 31 يناير شجبت وزارة الخارجية الاعتقال.(5)  و بعد يومين استغل الرئيس بوش فرصة خطاب حالة الاتحاد ليناشد مصر أن " تهدي (سواها) إلى الطريق نحو الديمقراطية في الشرق الأوسط".(6)  و في 26 فبراير، حيث لم تزل قضية "نور" قيد القرار، أجلت وزيرة الخارجية "كوندوليزا رايس" زيارة لمصر كان مخططا لها.(7)  و أفلحت سياسة لي الذراع التي استخدمتها واشنطن، ففي نفس اليوم استجاب مبارك للأصوات المطالبة بتعديل المادة 76 من الدستور المصري، لتسمح بإجراء أول انتخابات رئاسية تنافسية في البلاد، ثم أطلق سراح نور في 12 مارس(8).

تجرأت المعارضة المصرية نتيجة لخضوع النظام، و استثيرت بسبب نزعة العداء للولايات المتحدة المستشرية في صفوفها، و من ثم ضاعفت من جهودها. و كانت الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" من أبرز الجماعات الصاعدة. لقد نجحت كفاية – المبنية على تحالف متباين من الناشطين الإسلاميين و الليبراليين و اليساريين – أن تؤسس لدينامية جديدة في مضمار السياسية المصرية، حيث أطلقت سلسلة من التظاهرات المعادية لمبارك في 2005، في مواجهة الحظر الذي يفرضه قانون الطوارئ على التظاهرات التي تضم أكثر من خمسة أشخاص بغير تصريح. إلا أن كفاية لم تنجح في أن تحول دون فوز مبارك بولاية خامسة (من ست سنوات) في سبتمبر 2005

و لكن بقي في فوز مبارك شيء يحتفى به. فبالرغم من التجاوزات التي سادت الاقتراع، كانت العملية الانتخابية في مجملها سلمية، حيث كانت رقابة المجتمع المدني و القضاة غير مسبوقة. في يوم الانتخابات، انتشر أكثر من ألفي مراقب في شتى ربوع مصر لمراقبة لجان الاقتراع.(9)  و بالرغم من أن مبارك اكتسح أقرب منافسيه "نور" في الانتخابات، فإن صنم حظر انتقاد النظام كان قد تحطم. لقد علق جورج اسحق – المنسق العام السابق لـ "كفاية" – قائلا أن الانتخابات قد نجحت في "أن تغير ثقافة الخوف. قبل ذلك كان الرئيس نصف إله / نصف رئيس. و الآن هو مجرد إنسان".(10)  لاقت الانتخابات استحسانا في واشنطن، حيث وعدت رايس بالوقوف إلى جانب مصر في طريقها نحو (11)الديمقراطية.  

لكن دعم وزيرة الخارجية لم يستمر طويلا، فالانتخابات البرلمانية اللاحقة جاءت مشوهة بالتزوير و قوائم الناخبين المزيفة و الرشاوى و سفك الدماء.(12)  لقد حصل الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم على 311 مقعدا من جملة الـ 454 مقعد في مجلس الشعب، إلا أن هذا النجاح لم يكن ليتأتى دون انضمام 166 عضوا ممن نجحوا كمستقلين إلى صفوفه.(13)  و بالرغم من مقتل 13 و جرح ما يربو على الألف، صرح المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية أن واشنطن لم تلحظ أية "مؤشرات تدل على أن الحكومة المصرية لا تسعى إلا تحقيق انتخابات سلمية و حرة عادلة"
. (14)

على أن تصديق الولايات المتحدة لم يأت إلا في المرتبة الثانية من جهة الأهمية في القصر الجمهوري بمصر الجديدة، بعد المكاسب التي حققتها جماعة الإخوان المسلمين. لقد رأى مبارك في الثمانية و الثمانيين مقعدا التي نالها مرشحون مستقلون مرتبطون بالإخوان – و الذين أصبحوا بذلك أكبر كتلة برلمانية معارضة – تحديا مباشرا لنظامه. حين أتت الانتخابات الفلسطينية بحماس – امتداد الإخوان المسلمين في فلسطين -  إلى السلطة، ضيق مبارك الخناق لا على الإسلاميين، و إنما على المعارضة الليبرالية. فاعتقل نظامه "أيمن نور" أولا(15) ، ثم – و أثناء انشغال الحكومات الغربية بفوز حماس – أجل انتخابات المجالس المحلية.(16)  و بينما أبدت إدارة بوش قلقها، لم ترق انتقاداتها فوق مستوى الرسميات.(17)  و بالرغم من أن رايس كانت قد ألقت خطابا في الجامعة الأمريكية بالقاهرة قبل ثمانية شهور حول الحاجة للإصلاح، جاء تصريحها بعد لقائها مع نظيرها المصري "أحمد أبو الغيط" يوم 21 فبراير 2006 خفيض اللهجة. لقد نحت الأجندة الديمقراطية جانبا و قالت أن المجتمع المدني المصري عليه أن "ينظم نفسه" و "يطرح (18)قضية (الإصلاح) على الشعب المصري".

و حيث أن مبارك لم يجابه أية عواقب دبلوماسية لتراجعه عن الإصلاح، قرر الاستمرار في طريق التضييق. ففي يوم 30 أبريل و تحت دعوى مكافحة الإرهاب، قام بتجديد حالة الطوارئ التي بلغت من العمر خمسة و عشرين عاما، بالرغم من وعده الانتخابي بإلغاء القوانين المقيدة للحريات.(19)  ثم ساعد مسئولو إدارة بوش على تأكيد هذا الانطباع في الشهر التالي حين تصدوا لمقترحات من أعضاء في الكونجرس لقطع الـمعونة السنوية لمصر و البالغة 1.8 مليار دولار – كانت مصر قد تلقت ما يربو على الـ 60 مليار دولار من الولايات المتحدة منذ 1979، في المرتبة الثانية بعد إسرائيل – كوسيلة لدفع الإصلاح إلى الأمام.(20) فبعد أن عدد مساعد وزيرة الخارجية لشئون الشرق الأدنى "ديفيد ويلش" مزايا الشراكة بين الولايات المتحدة و مصر، حذر من أن قطع المعونة "سيكون مدمرا للمصالح الوطنية (الأمريكية)". (21)

لقد قرأ مبارك أوراق واشنطن و فاز باللعبة و لا عجب، لأنه و طيلة ربع قرن قضاه في السلطة سقى حجته بالملعقة لكل إدارة أمريكية منذ عهد ريجان: إذا عقدت الحكومة المصرية انتخابات حرة و نزيهة، سيسيطر المتطرفون على الحكم ليلغوا معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، و ينهوا التعاون العسكري و المخابراتي مع الولايات المتحدة. لكن بالنسبة لمبارك، فالتلويح بفزاعة الإسلاميين ليس كافيا لإقناع واشنطن بأهميته؛ لكي يقدم نفسه بوصفه الدعامة الوحيدة ضد الحركات الإسلامية المسلحة و ظهور الإرهابيين مرة أخرى، و إنما عليه أن يسحق كل بديل ليبرالي، و باستثناء فترة وجيزة في 2004- 2005 فقد فعل هذا دونما خسارة تذكر.

لذا، حين خفت الضغط الأمريكي في 2006، لجأ نظام مبارك إلى أبسط قواعد الحكم الفردي: سحق المعارضين بغير استثناء. فبعد أن شكك القاضيان المؤيدان للإصلاح "هشام البسطويسي" و "محمود مكي" في التدخل الحكومي في الانتخابات البرلمانية عام 2005، أحالهما محمود أبو الليل وزير العدل آنذاك إلى المجلس الأعلى للقضاء الذي تتحكم فيه الحكومة للتأديب. (22) لقد اعتبر القرار هجوما على استقلال القضاء و الإشراف على الانتخابات بشكل عام، فيما أدى إلى اعتصام في مقر نادي قضاة القاهرة. و حين انهالت أفواج من ناشطي الديمقراطية على وسط القاهرة للتعبير عن تضامنهم، صعدت دولة مبارك المخابراتية الصراع إلى مستوى أعلى، حيث قامت قوات الأمن و أفراد من الشرطة في زي غير رسمي بمهاجمة و اعتقال مئات من المتظاهرين السلميين.

لم يزد تردد الولايات المتحدة الأمر إلا سوءا، ففي 12 مايو، بعد أن احتجزت قوات الأمن 255 متظاهرا بيوم واحد،(23) التقى جمال مبارك – ابن الرئيس و خليفته على ما يبدو -  بوزيرة الخارجية و نائب الرئيس "ديك تشيني" و مستشار الأمن القومي "ستيفن هادلي" في البيت الأبيض و في لقاء خاص.(24)  لربما بدا هذا اللقاء عاديا للمسئولين الأمريكيين، لكن توقيت اللقاء و معناه كان لهما من الأهمية ما جعل المصريين يعتبرون اللقاء – و مصافحة الرئيس بوش لجمال – موافقة ضمنية على تصرفات النظام و قبولا لجمال باعتباره الرئيس المقبل. و كذلك اعتقدت الحكومة المصرية، فعلى مدار ستة أيام، و بعد أن وجه المجلس الأعلى للقضاء توبيخا للبسطويسي و رفضت محكمة النقض دعوى أيمن نور لإعادة المحاكمة، تم اعتقال أكثر من مائتي متظاهر.(25)

بعد ذلك، و في 25 مايو 2006، اعتقلت قوات الأمن المصرية المدون محمد الشرقاوي (24 عاما) أثناء مظاهرة سلمية بعد أن رفع لافتة مكتوب عليها "عايز حقي". ثم قام أحد رجال الشرطة بتعذيبه و الاعتداء عليه جنسيا أثناء احتجازه.(26)  و لم يكن الشرقاوي المدون الوحيد الذي تعرض لتحرشات حكومية. ففي 6 نوفمبر 2006، اعتقلت الشرطة المصرية المدون عبد الكريم نبيل سليمان المعروف باسم كريم عامر (22 عاما) لأن ما كتبه في مدونته "أهان الإسلام، و حرض على الفتنة الطائفية، و تعرض للرئيس بالسب"(27). و بصدور حكم بالسجن أربع سنوات ضد عبد الكريم من محكمة الجنايات في 22 فبراير 2007، صار عبد الكريم أول عضو في عالم المدونات في مصر – و هو المنفذ المتنامي عوضا عن الإعلام الذي تسيطر عليه الدولة – يدان بسبب ما يكتبه. فيما لاقى الإسلاميون المناهضون لمبارك مصيرا مشابها.(28)   

على خشبة هذا المسرح، مرر البرلمان المصري 34 تعديلا دستوريا. و بينما يقول الدكتور فتحي سرور رئيس مجلس الشعب و أحد أقطاب الحزب الوطني أن هذا التشريع "سيدعم الديمقراطية و يشجع المشاركة السياسية للأحزاب"(29) ، فإنه في الحقيقة سيفعل العكس تماما. لقد دفع الحزب الوطني التعديلات خلال البرلمان و مرر استفتاءا عاما عليها في 26 مارس – بعد أسبوع واحد من صدور المسودة النهائية من مجلس الشعب – و هو الأمر الذي يحمل دلالة واضحة. فالتعديلات تعزز من سلطة الحكومة و تحد من الفعالية السياسية للمعرضة. إلا أن المسئولين الأمريكيين و بدلا من أن تأنيب مبارك على تقهقره، تغاضوا عن هذه الخطوة إلى الخلف. ففي 8 فبراير صرح السفير الأمريكي لدى مصر "فرانسيس ريكاردوني" أن "الحوار حول التعديلات الدستورية يشير إلى مستوى راق من الحرية...في عهد مبارك"(30) . هذا "الحوار" اتسع ليتضمن اعتقال تسعة و عشرين من ناشطي كفاية خلال مظاهرة سلمية معارضة للتعديلات في 15 مارس.(31)

قطعا سيتأثر المجتمع المدني بهذه الإجراءات. فبينما ينتوي مبارك إنهاء حالة الطوارئ، سيحتفظ له قانون مكافحة الإرهاب الجديد بجوهر الطوارئ في قناع جديد، فيما أسماه "محمود أباظة" رئيس حزب الوفد الليبرالي بـ "دسترة الدولة البوليسية"(32) . أما عن أهم التعديلات الأخرى فإنها تحد من إمكانية ترشح المستقلين للانتخابات، و تلغي الإشراف القضائي الكامل على الانتخابات و تعزز النسبة العالية المطلوبة من أجل الترشح في الانتخابات الرئاسية. حيث أن إعادة تعديل المادة 76 لم يزل يشترط في المرشح للانتخابات الرئاسية أن يكون عضوا في الهيئة العليا لحزبه مدة سنة على الأقل و أن يكون ممثلا عن حزب مضى على تأسيسه خمس سنوات على الأقل.(33)  و بوضع الأحزاب غير المسجلة تحت رحمة الأحزاب القانونية عديمة الأنياب، تكون سياسة "فرق تسد" التي يتبعها الحزب الوطني بمثابة تمزيق لمعارضة هي أصلا رهن الاحتجاز.

إن مبارك سياسي داهية، فبقاؤه رئيسا لأكبر الدول العربية من حيث عدد السكان لأكثر من ربع قرن ليس محض مصادفة. و بتمرير هذه التعديلات الآن، يكون قد استبق الضغوط التي قد تمارس عليه من أجل إصلاح حقيقي و أبعد الأنظار عن أمور أكثر أهمية و أكثر احتياجا للإصلاح: السلطات الهائلة الممنوحة للنظام تحت عنوان مكافحة الإرهاب، و قانون الأحزاب الصادر عام 1977 الذي حال دون نمو الأحزاب، و عدم تقييد فترات الرئاسة بعدد محدود، و الغموض الكامل حول النشاط العسكري المصري، و عدم تكافؤ قوة السلطة التنفيذية مع السلطتين الأخريين. كما أن مبادرة مبارك تكتسب أهمية إضافية إذا ما أخذنا في الاعتبار أن هذه التعديلات ستصيب النظام السياسي بالتكلس لجيل مقبل و تمهد الطريق لاستخلاف ابنه جمال في مقعد الرئاسة.

تونس: واجهة الديمقراطية

على بعد ألف و ثلاثمائة ميل غربي مصر، تواجه تونس ردة سياسية مشابهة. و لكن – على العكس من مصر – تعطي الجمهورية الهادئة الواقعة في شمال أفريقيا صورة مختلفة للدبلوماسيين الغربيين. ، طالما كان من السهل علي هذا البلد المحصور بين الجزائر و ليبيا، و الواقع على بعد مرمى حجر من إيطاليا و فرنسا أن يروج أنه واحة التقدم العربية.

على أن المظاهر غالبا ما تكون خداعة. فبينما تحط التنمية الاجتماعية و الاقتصادية في تونس من شأن جاراتها الغنية بالنفط – و هي الظاهرة التي دفعت الرئيس الفرنسي ليسميها بالـ "معجزة التونسية الحقيقية"(34) – لم يزل نظامها السياسي مصابا بالشلل إلى حد بعيد. فمنذ أن أزاح انقلاب القصر "الرئيس مدى الحياة" الحبيب بورقيبة في 1987، و الرئيس زين العابدين بن علي يحكم دون منافس. فوزير الداخلية و قائد الأمن الوطني السابق قد شيد واحدة من أكثر الدول البوليسية كفاءة في العالم، فقانون مكافحة الإرهاب يكتسح أي معارضة، و أحزاب المعارضة القانونية تختارها أو تحركها الدولة. و الحزب الوحيد ذو الأهمية هو حزب التجمع الدستوري الديمقراطي الحاكم و الذي يحتفظ بقبضة خانقة على السلطة السياسية. فبالإضافة إلى سياسة اللارحمة مع حزب النهضة – الحركة الإسلامية المحظورة في تونس – فإن تحييد بن علي للإعلام، و النقابات المهنية و العمالية فرض على القوى العلمانية و الإسلامية السمع و الطاعة.

إلا أن عداء بن علي للديمقراطية لم يكن باديا للعيان على الدوام، فمعظم التونسيين الذين أسخطتهم المحسوبية و التناحر السياسي و الكساد الاقتصادي، الأمور التي دعت إلى عزل بورقيبة، رحبوا بخطاب "التغير التاريخي" الذي حمله بن علي. لقد أعلن بن علي في خطابه الافتتاحي أن "شعبنا يستحق... حياة سياسية متقدمة و مؤسسية، مبنية بحق على التعددية الحزبية و التنظيمات الجماهيرية".(35)  و حين أعاد تقييد عدد الفترات الرئاسية، و مد يده بغصن زيتون إلى خصوم النظام المقيمين في الخارج، و أطلق سراح الآلاف من المعتقلين السياسيين، بما فيهم زعيم حزب النهضة راشد غنوشي، بدا أن لكلماته رنين الصدق.(36)

لكن آخر الأوهام حول تخلي بن علي عن حكم الحزب الواحد من أجل تعددية حزبية واسعة انقشع في عام 1989، حين ترشح للانتخابات منفردا و اكتسح حزبه الحاكم كل مقاعد البرلمان. إلا أنه و قد أحرجه غياب أي شكل ديمقراطي، قدم نصا يكفل لأحزاب المعارضة 19 مقعدا من مقاعد البرلمان الـ163 قبل انتخابات 1994.(37)  و بهذه الإشارة الرمزية المصحوبة بفوزه بنسبة الـ 99% الستالينية من التصويت أوضح النظام أن جهوده ترمي إلى تحقيق غلاف ديمقراطي بلا جوهر.

و أثناء تعزيز الحزب الحاكم لسطوته في التسعينيات، طبق بن علي إصلاحات التكيف الهيكلي التي فرضها البنك الدولي و صندوق النقد الدولي و على رأسها: تبسيط الضرائب، تحرير التجارة، اختصار الإجراءات الحكومية، و تخفيض قيمة العملة التونسية. و لكن و بينما كانت المنظمات الدولية تحث بن علي على عولمة اقتصاده الذي يمكن أن يستقطب استثمارات أجنبية مستدامة، جاء دخول تونس إلى مبادرة الشراكة الأورومتوسطية عام 1995 ليعرض استقرار تونس قصير الأمد للخطر. فبالرغم من أن المبادرة أسست منطقة تجارة حرة بطول ساحل المتوسط الجنوبي، إلا أن العديد من الشركات التونسية، التي اعتادت لفترة طويلة على حماية الدولة، تعرضت للخسارة في منافسة حرة مع الشركات الأوروبية. و بالرغم من خطر القلاقل الداخلية، تحرك بن علي إلى الأمام باتجاه الإصلاح الاقتصادي، نظرا لاعتقاده أن الحكومات الغربية المستفيدة من السوق التونسي المفتوح ستسانده ظاهريا و تغفر له تجاوزاته في الداخل. 

و قد كانت حساباته صحيحة، ففي عام 1997، و خلال زيارة روبرت بيليترو سفير الولايات المتحدة السابق لدى تونس، و مساعد وزيرة الخارجية لشئون الشرق الأدنى آنذاك، صرح الأخير أنه "مؤمن بالتزام الرئيس بن علي نحو الانفتاح (السياسي)"(38) . إلا أن تفاؤل بيليترو لم يكن في موضعه، ففي عام 1999 سمح بن علي بانتخابات رئاسية تعددية، لكنه منع منافسيه من الوصول لوسائل الإعلام، فنال منافساه أقل من 1% من الأصوات. و في عام 2002 مرر استفتاءا ليس فقط لينال حصانة ضد التقاضي مدى الحياة، و لكن أيضا ليزيل سقف الصلاحيات الرئاسية(39). في بلد لم يزل يعاني من حكم رئيس واحد "مدى الحياة"، جاء قرار بن علي بأن يصبح الثاني بمثابة نكسة.

و بعد الحادي عشر من سبتمبر، ظل زعماء التحالف الدولي– في ظل سعيهم الدءوب للعثور على حلفاء في الحرب على الإرهاب – يمطرون تونس بالثناء غير المستحق.(40) ففي 19 أبريل 2003 التقى وزير الخارجية التونسي الحبيب بن يحي و زير الخارجية الأمريكي آنذاك كولين باول في واشنطن، و بينما تغاضت وزارة الخارجية تماما عن سجل حقوق الإنسان التونسي، كدت على دور بن علي كـ "نصير قوي لحربنا على الإرهاب" . و في ديسمبر 2003، ادعى شيراك – ممثلا فرنسا أقرب شركاء تونس التجاريين و أهم المستثمرين – أن سجل بن علي في حقوق الإنسان "متقدم جدا" لأن "أهم حقوق الإنسان هي الحق في الطعام، و الصحة، و التعليم، و السكن".(41)

كان بن علي أول القادة العرب الزائرين لواشنطن بعد خطاب الرئيس بوش الصريح حول الاستراتيجية الجديدة، (42) و حينها بدا الأمر كما لو أن وقت الحساب قد آن أخيرا. لقد حث بوش الرجل الذي يسمي نفسه بـ "الرئيس المواطن" أن يفتح نظامه السياسي و يسمح بصحافة حرة و قوية، و بالرغم من إعلان بن علي أنه ملتزم بالدولة المبنية على الديمقراطية و حقوق الإنسان، كان وعده فارغا من المضمون: فقد استمر في طريق تكميم الصحافة و شن الحروب على الإنترنت. ففي 29 أبريل 2